عبد الملك الجويني
174
الشامل في أصول الدين
فالجواب عن ذلك أن نقول : إذا انفرد كل واحد منهما بإرادته ، فمعلوم أن إرادة كل واحد منهما صالحة لكل مراد ، مجوّز كونه مسوغ تقديره . ولو قدرنا انفراد أحدهما ، لصحت منه إرادة حركة الجوهر المقدّر . ولو انفرد الثاني ، لصحت منه إرادة لسكون الجوهر المخصوص في الوقت المعين ، وهذا ما لا سبيل إلى دفعه ، مع تقدير انفراد كل واحد منهما . فإذا قدر اجتماعهما ، فالذي يصح من كل واحد منهما إرادته . [ و ] لو قدر منفردا لا يخلو : إما أن يجوز تقدير إرادته مع تقدير الاجتماع ، وإما أن لا يجوز ذلك مع الاجتماع ؛ وإن جاز تقديره مع تقدير الانفراد . فإن زعم المطالب أن ما تقدر في الانفراد يجوز أن يقدر في الاجتماع ، فقد سلم هذا الفصل ، واستبان تجويز إرادة أحدهما الحركة ، وإرادة الآخر السكون من الوقت الواحد ، من حيث جاز ذلك من كل واحد منهما لو قدر منفردا . ولو قال المطالب : يمتنع عند تقدير الاجتماع ، ما يجوز عند تقدير الانفراد . قلنا : هذا محال من أوجه : أقربها : أن أحدهما إذا أراد تحريك جوهر في وقت معين مخصوص ، فقد قلتم يمتنع على الثاني إرادة السكون في هذا الوقت . فيقال لكم : لا يخلو هذا الامتناع : إما أن يقال فيه تحقق لنفس أحد القديمين ، أو لإرادته ، أو لصفة أخرى من صفاته . وباطل أن يقال يمتنع على أحد القديمين وجه من الإرادة لنفس القديم الآخر ، فإن نفس القديم الآخر لا تغلب إرادة القديم الثاني ، وقد كانت إرادته ، مع تقدير الانفراد ، صالحة للوجه الذي فيه الكلام . وإنما صلحت له ، وصح ذلك الوجه منها ، لنفس الإرادة وذاتها ، واستحال خروجها عن حقيقتها وقضية صفتها في الوجوب والصحة بسبب نفس القديم الآخر . وإنما وضح أن صحة تعلق الإرادة بالوجه المخصوص ، راجع إلى نفس الإرادة ، ونفسها ثابتة ، ولا يجوز تقدير ثبوت النفس مع انتفاء صفات النفس ، فإن فيه قلب الحقائق . ولو جاز ذلك في صفة واحدة من صفات الإرادة ، جاز ذلك في سائرها ، حتى يقال : نفس أحد القديمين تسلب جميع صفات إرادة القديم الثاني مع ثبوت نفس الإرادة ، وهذا مبلغ من الجهل لا يرضيه محقق . ومما يقرب ذلك أن أحكام النفس المتلقاة من المعاني القائمة بها ، إنما يعتبر فيها الاختصاص بنفس الموصوف ، وما لا يختص به ؛ لا يوجب له حكما . ولهذا امتنع أن يتصف الشيء بكونه عالما بعلم يقوم بغيره من حيث لم يختص ذلك العلم به على ما سنقرر ذلك في الصفات إن شاء اللّه تعالى . فإذ وضح ذلك بنينا عليه ما نروم ، فقلنا : نفس أحد القديمين لا تختص بنفس الثاني اختصاص قيام ، فاستحال أن توجب له حكما معنويا ، وهو كونه مريدا لمراد معين مخصوص .